الأحد، 21 أغسطس 2011

تحدّي غزة


تحدّي غزة
ثمانية خيارات أمام صناع القرار الصهيوني حول كيفية التعامل مع حركة حماس كقوة حقيقية فاعلة تسيطر على غزة.
1- الملخص التنفيذي
مع أن الولايات المتحدة وإسرائيل كرّستا قسطاً وافراً من انتباههما للعلمية السلمية في الشرق الأوسط، ظلّت حكومة حماس مصدر إرباك لصنّاع السياسية الأميركيين والإسرائيليين. ومع وصول المحادثات السلمية بين الحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية إلى حالة جمود مؤخراً، ومع موجة الاضطرابات والتغيرات السياسية التي تعمّ الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ازدادت أهمية فهم صنّاع السياسة في القدس وفي واشنطن للعوامل التي تصوغ التطورات في غزّة. وهذا الفهم لا غنى لصنّاع السياسة عنه في تقييم الخيارات، وتحديد حسنات السياسات البديلة وسيئاتها، وإصدار قرارات قوية وحكيمة.
العوامل التي تصوغ السياسة الإسرائيلية
أشد العوامل التي تصوغ السياسة الإسرائيلية حيال غزّة وضوحاً وإلحاحاً تهديد قذائف المورتر والصواريخ التي تُطلق من غزّة على إسرائيل. وحماس ضالعة في إطلاق النار عبر الحدود وفي عمليات الخطف فضلاً عن إطلاقها تلك الصواريخ، وقد زرعت عبوات قريباً من الحاجز الأمني المقام على امتداد الحدود. وبالإضافة إلى ما ترمي إليه حماس من إيلام إسرائيل، تساعد هذه الهجماتُ الحركةَ على المحافظة على صدقيتها بوصفها أولى المنظمات الفلسطينية المقاوِمة وتُمكّنها من المحافظة على ولاء مسلّحيها. ويراد من الصواريخ كذلك ردع إسرائيل عن قتل قادة حماس والضغط على إسرائيل لحملها على تغيير سياساتها وتبنّي السياسات التي تحبّذها حماس، مثل فتح المعابر الحدودية بين إسرائيل وقطاع غزّة.

تعوّل حماس على مصادر عديدة في بقائها في السلطة أهمها استغلالها المديد لبنيتها التحتية المؤلفة من المساجد، والخدمات الاجتماعية، والمنظمات الأهلية في جمع الأموال وجذب المجنَّدين. كما شيّدت الحركةُ شبكة واسعة من الأنفاق للتغلب على الحصار الإسرائيلي. وبالإضافة إلى تهريب السلع التجارية إلى غزّة، يجلب مشغّلو الأنفاق الذخائر والصواريخ والأشخاص، مثل المسلّحين العائدين من لبنان وإيران عقب خضوعهم لدورات تدريبية هناك. وبينما يمتدّ أغلب هذه الأنفاق أسفل الحدود بين غزّة ومصر، سعت حماس لحفر أنفاق تؤدي إلى إسرائيل كما تجلّى في خطفها الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط في سنة 2006.

لكن قوة حماس نابعة مما هو أكثر من إدارتها عمليات التهريب وجمع الأموال. ذلك أن الانطباع لدى كثير من الفلسطينيين هو أن مسؤولي حماس يتحلّون بالنزاهة بخلاف المسؤولين في السلطة الفلسطينية وحركة فتح. كما أن العديد من الفلسطينيين يستهويهم نموذج المقاومة الذي تجسّده حماس، لاعتقادهم أن العملية السلمية مع إسرائيل لم توقف بناء المستوطنات ولم تُنهِ الاحتلال.

على أن القوة التي تتمتع بها حماس لا تمنع الضغوط الإسرائيلية والدولية من تهديد وضع الحركة لأنه يتعين عليها تأمين الخدمات والمحافظة على صورتها في مواجهة هذا الضغط الشديد لتلافي بروز خصوم يهددون سلطتها السياسية. وفي هذه الناحية، حماس محاصرة من كافة الجوانب. فلا تزال حركة فتح تتربّص على الأطراف، والمنافسون من أمثال حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية يتحدَّون حماس بتعهدهم بشنّ مزيد من الهجمات الصاروخية على إسرائيل. ومما زاد الضغوطَ التي تتعرض لها حماس شدة بروز جهاديين في غزّة يتطلعون إلى الاحتذاء بتنظيم القاعدة (وإن لم يكونوا على ارتباط مباشر بالتنظيم نفسه).

بالإضافة إلى وضع حماس الضعيف على الصعيدين المالي والسياسي، تعاني الحركة من ضعف تنظيمي بالضفة الغربية، وهي لا تملك القدرة العسكرية التي تنشدها هناك. ولا ريب أن عملية الرصاص المصبوب التي نفّذتها إسرائيل في سنة 2008-2009 قد أثّرت على حماس. وبفعل تلك الحرب وعدم رغبة أبناء غزّة في مواجهة إسرائيل، أوقفت حماس هجماتها الصاروخية إلى حدّ بعيد في الشهور التي تلت تلك العملية. بعبارة أخرى، أثبت الردعُ الإسرائيلي، إلى الآن، أنه أقوى من القوة النارية التي تملكها حماس.
لكنّ حماس قد تزداد قوة في السنين القادمة لأنه يرجَّح أن تتعاظم ترسانتها من قذائف المورتر ويتسع مدى صواريخها. ويرجَّح كذلك ارتفاع عدد مقاتليها المدرَّبين والفضل في ذلك عائد إلى حزب الله وإيران.

بالإضافة إلى هذه التطورات، هناك جملة من العوامل الخارجة عن نطاق غزّة وتؤثر في حماس وفي طريقة تعاطي إسرائيل والولايات المتحدة معها. ذلك أنه كان للتغيرات السياسية التي تجتاح الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لا سيما سقوط الرئيس المصري حسني مبارك تأثير عظيم في حماس وفي محمود عبّاس رئيس السلطة الفلسطينية والفلسطينيين "المعتدلين" الآخرين الذين ينشدون السلام. وقد كانت الخطوات التي اتخذها مبارك للسيطرة على حماس، على انعدام اتساقها غالباً، جزءاً مفصلياً من الجهود التي بذلها الرئيس عبّاس لتحدي حكمها في غزّة. وبما أن الرئيس عبّاس والمعتدلين الآخرين ضعاف، يرى بعض المراقبين أن السلطة الفلسطينية لن تقدر على منع حماس من السيطرة على الضفة الغربية إذا ما انسحبت القوات الإسرائيلية منها (مع أن الجهود الناجحة الرامية إلى تعزيز القانون والنظام بالضفة الغربية عززت موقف المعتدلين هناك).

كانت العملية السلمية ولا تزال عاملاً جوهرياً يؤثر في السياسات الخاصة بغزّة. فإذا نشطت العملية السلمية، يرجَّح أن تخفض إسرائيل حجم وجودها في الضفة الغربية ويقوى موقف الرئيس عبّاس والمعتدلين الآخرين. وإذا لم يبرز في الأفق إمكانية التوصل إلى اتفاقية سلام، سيشكك العديد من الفلسطينيين في شرعية الأشخاص الذين يناصرون المحادثات السلمية.

كان للعلاقة التي تطورت بين طهران وحماس تأثير عظيم في التطورات الجارية في غزّة. لجأت حماس إلى إيران لأسباب منها العزلة المفروضة على الحركة والأزمة المالية التي تواجهها، ورأت إيران في حماس حليفاً يمكنها رعايته للتحرّش بإسرائيل وبناء جسر يوصلها إلى العالم العربي والسنّي الرحب. وفي هذا الصدد، تواجه إسرائيل خطراً يتمثل في تحوّل نفوذ إيران المتعاظم في حماس إلى قوة تعترض ميل الحركة إلى الاعتدال. وفي الوقت عينه، تصوغ مواقفُ حلفاء الولايات المتحدة الأحداثَ في غزّة، وقد أحرزت حماس تقدماً في استمالة الرأي العام بأوروبا، وطورت علاقاتها بروسيا وتركيا.

الخيارات السياسية

لا يوجد خيار سياسي معيّن يمكن أن يعتبر مثالياً. لكننا سنستعرض في هذه الدراسة أربعة خيارات "تقليدية" وأربعة خيارات أخرى غير مألوفة.

وقف إطلاق النار. يمكن أن تشرع إسرائيل بمؤازرة الولايات المتحدة في مفاوضات رسمية مع حماس لتثبيت وقف دائم لإطلاق النار. ستحقق حماس مكاسب عدة من هذا الاتفاق منها اكتساب الشرعية ورفع الضغوط الإسرائيلية. ومن المنظور الإسرائيلي، سيسمح وقفُ الهجمات الصاروخية المنتظمة للإسرائيليين المقيمين بالقرب من غزّة باستئناف حياتهم الطبيعية، وسيقلل الانتقادات الدولية لإسرائيل ويطلق يدَي إسرائيل في الميدان الدبلوماسي في ما يختص بالعملية السلمية.

إن مساوئ هذا الخيار السياسي ومخاطره كبيرة. فعلى الأرجح أن يتساءل الإسرائيليون إن كانت هذه السياسة تعني تأجيل القتال وإتاحة الفرصة لحماس لكي تزداد قوة طوال مدة تطبيق الاتفاق.

إعادة الاحتلال. يوجد بديل لوقف إطلاق النار وهو عودة إسرائيل إلى احتلال قطاع غزّة كله أو بعضه. سيتمكن الجيش الإسرائيلي بإعادته احتلال غزّة من تدمير الصواريخ قبل إطلاقها. ومع الوقت، ستتمكن إسرائيل من تدمير أغلب البنية العسكرية لحماس والبنيات العسكرية للجماعات الأخرى أيضاً.

توجيه ضربات عسكرية محدودة. الخيار الثالث لإسرائيل هو شنّ حملة عسكرية محدودة تستهدف من حين لآخر منشآت حماس الخاصة بصنع الصواريخ، والكوادر العسكرية في الحركة وقادتها، وهذا ما تفعله إسرائيل بشكل منتظم اليوم. بيد أنه باعتبار أن هذه الغارات تدير المشكلة ليس إلاّ، ستظلّ حماس قادرة على تطوير قواها من خلال تدريب كوادرها في الخارج وتهريب الأسلحة إلى غزّة.

العزلة. الخيار السياسي الآخر هو عزل غزّة. ولا تزال إسرائيل والمجتمع الدولي يتحاشى التعامل مع حماس حالياً، ولا تزال إسرائيل تستخدم سيطرتها على الممرات البحرية والبرّية المؤدية إلى غزّة في فرض حصار محدود على القطاع. وهذا الحصار يضعف القدرات العسكرية لحماس، ويجعل التنمية الاقتصادية مستحيلة، ويقلّص القاعدة الشعبية للحركة.

حل الدول الثلاث. يمكن أن تتفاوض إسرائيل مع حماس ومع الرئيس عباس على إقامة دولتين فلسطينيتين بحكم الأمر الواقع. من المنظور الإسرائيلي، مزايا وعيوب سيناريو وقف إطلاق النار هي نفسها مزايا وعيوب هذا الخيار.

إزاحة حماس. بموجب هذا الخيار، تحاول إسرائيل بمؤازرة الولايات المتحدة إزاحة حماس عن السلطة في غزّة. لكنّ هذا الخيار مليء بالمشكلات لأنه إذا وصلت قيادةٌ فلسطينية جديدة إلى السلطة عقب حملة عسكرية إسرائيلية، فلن تحظى بالشرعية.

المسؤولية الدولية. هناك سياسة بديلة وهي تولّي جهة دولية، إما الأمم المتحدة أو الناتو، السيطرة الإدارية في غزّة. لكن يرجَّح أن تقاوم حماسُ والجماعات الأخرى هذه القوة مستخدمة الأساليب نفسها التي ستستخدمها في مواجهة المحتلين الإسرائيليين.

المساعدات الاقتصادية. الخيار الأخير الممكن هو أن يقدم المجتمع الدولي أموالاً ضخمة لغزّة بانتظام. ستوفر رزمة المساعدات لحماس شيئاً يمكن أن تخسره إذا واصلت شنّ الهجمات على إسرائيل، لأن تدفق المساعدات الاقتصادية سيتوقف.

2- الخيارات السياسية

هناك طائفة واسعة من الخيارات السياسية التي ينبغي معاينتها في سياق التعامل مع غزّة. لكن بالنظر إلى اتساع أفق العوامل التي تقدمت مناقشتها، لا يوجد مقاربة بعينها يمكن أن تعتبر مثالية. وبالمقابل، تنطوي المقاربات جميعها على تكاليف ومخاطر يتعيّن تقييمها بالنسبة إلى مزاياها. وبالنظر إلى إمكانية اللجوء إلى بعض الخيارات معاً، ينبغي النظر إليها بأنها مقاربات متداخلة لا خيارات منفصلة. وهذه ثماني سياسات مقسَّمة إلى أربعة خيارات "تقليدية" وأربعة خيارات غير مألوفة.

الخيـــارات التقليديـــة

الخيار الأول: التفاوض الرسمي على وقف لإطلاق النار بين إسرائيل وحماس أجرت إسرائيل مفاوضات غير مباشرة مع حماس بمساعدة مصر والمجتمع الدولي لإطلاق سراح الجندي جلعاد شاليط وإعادة فتح نقاط العبور المؤدية إلى غزّة. لكنّ إسرائيل امتنعت من إجراء محادثات مباشرة مع حماس للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، مطالبة بإعلان الحركة أولاً موافقتها على الشروط التي وضعتها اللجنة الرباعية وهي الاعتراف بإسرائيل، ونبذ العنف، والالتزام باتفاقات السلام السابقة بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية.
يمكن لإسرائيل بمؤازرة الولايات المتحدة الابتعاد عن هذا الموقف والتفاوض مع حماس مباشرة على التوصل إلى وقف لإطلاق النار وعلى قضايا أُخر. وسيكون الهدف على المدى القصير التوصل إلى وقف لإطلاق النار يضع حداً للهجمات الصاروخية وغيرها على إسرائيل، وسيكون الهدف على المديَين المتوسط والطويل تحويل حماس من منظمة إرهابية إلى حكومة مسؤولة. تأمل إسرائيل بذلك أن يكون وقف إطلاق النار دافعاً لحماس كي تركز على أدائها في الحكم. وإذا تحقق ذلك، يتعزز موقف المعتدلين في الحركة، وتعيد الحركةُ بكافة أطيافها التفكير في خيار تصويب سلاحها إلى إسرائيل. ربما تتعاظم قدرات حماس في هذه الأثناء، لكنها لن ترغب في تبديد أي تحسّن اقتصادي في غزّة بإشعال حرب جديدة. وبموجب هذا السيناريو، ستبقى حماس متمسكة بعدائها لإسرائيل، لكنها ستركز إلى تشكيل حكومة فاعلة يمكنها تقديم الخدمات وإطلاق عجلة النمو الاقتصادي.
ومن ناحية أخرى، ستضع إسرائيل لهذه المفاوضات الأهداف التالية:
• وقف الهجمات الصاروخية التي تشنّها حماس وسائر الجماعات الأُخر. ستطالب إسرائيل بأن تُضع الهدنةُ المزمعة حداً لكافة الهجمات الصاروخية. ولا يبالي الإسرائيليون المقيمون في جوار غزّة إن كانت حركة الجهاد الإسلامي أو حماس الجهةَ المسؤولة عن إطلاق الصواريخ عليهم.
• تقييد قدرات حماس العسكرية التقليدية. تخشى إسرائيل أن تستغلّ حماسُ وقف إطلاق النار في تطوير قواها العسكرية التقليدية، بمعنى أن يكون وقفُ إطلاق النار فترة لتجديد مخزون الحركة لا هدنة حقيقية توقف القتال. لذلك، ستشترط إسرائيل على حماس القبول بأي قيود تُفرض على أسلحتها مثل الصواريخ بعيدة المدى.
• وقف نشاطات الأنفاق. بموجب وقف إطلاق النار، يُعاد فتح المعابر الحدودية بين غزّة وإسرائيل للسماح بإدخال البضائع القانونية إلى قطاع غزّة وتصديرها منه. لهذا السبب، لن يعود للأنفاق غاية سوى تيسير النشاط الإجرامي وتهريب السلع الممنوعة. لذلك، ستشترط إسرائيل على حماس اتخاذ إجراءات لوقف التهريب عبر الأنفاق كعلامة على عدم سعيها لإدخال الأسلحة إلى القطاع وخرق وقف إطلاق النار، أو تيسير حركة دخول عناصرها المسلّحة وخروجها لتلقي التدريب، أو التهيؤ لشنّ هجمات على إسرائيل عبر هذه الأنفاق.
إن المزايا الفورية التي يراها الجانبان في التفاوض على وقف إطلاق النار غنيّة عن البيان. والمحادثات المباشرة في حدّ ذاتها اعتراف بشرعية حماس، وأنها من يمثل الشعب الفلسطيني في غزّة، وأن المقاومة، وليس التنازلات، هي التي أرغمت إسرائيل على الجلوس إلى مائدة المفاوضات. وستؤدي شرعية الحركة المتزايدة إلى وصول مزيد من المساعدات من منظمات ودول عربية كانت تحجم عن مؤازرة حماس لضغوط دولية. وبالإضافة إلى ذلك، سيُريح وقفُ إطلاق النار حركةَ حماس من الضغوط الإسرائيلية ويمنحها الفرصة لإثبات جدارتها في الحكم لا في القتال فقط. ومن الزاوية الإسرائيلية، ستتوقف الهجمات الصاروخية المنتظمة، مما سيسمح للإسرائيليين المجاورين لغزّة باستئناف حياتهم الطبيعية. كما سيمنح وقفُ إطلاق النار إسرائيلَ الفرصة لتعزيز قواها العسكرية وتطوير تكنولوجياتها الخاصة بالكشف عن مواقع الأنفاق، والاستعداد لمواجهة حماس بوضعية أفضل على المدى الطويل.
ستجني إسرائيل والسلطة الفلسطينية مكاسب دبلوماسية من وقف إطلاق النار. سيكون الرئيس عبّاس قادراً على التفاوض وهو أقل خشية من مساعي حماس لإضعافه، وسيستلم من الإسرائيليين مزياً من السلطات الأمنية لتراجع حدة المشكلة التي تمثلها حماس. وعلى المستوى الدولي، سيخفف وقفُ إطلاق النار، لكنه لن يطفئ، مشاعر الغضب على إسرائيل لمعاملتها السيئة المتصوَّرة للفلسطينيين في غزّة.
أما المساوئ في نظر إسرائيل فهي مآل الوضع على المدى الطويل. فهل سيكون التفاوض على وقف إطلاق النار تأجيلاً لجولة قتال، ومهلة تزداد فيها حماس قوة؟ هذا مصدر قلق لإسرائيل لأن حماس سعت بين زمن استيلائها على السلطة في غزّة سنة 2007 وشنّ عملية الرصاص المصبوب في أواخر سنة 2008 لبناء جيش صغير مستلهمة من نموذج حزب الله. وبالمثل، تعمل حماس في أثناء وقف إطلاق النار الحالي على تعزيز ترسانتها الصاروخية، وحفر مزيد من الأنفاق، وإعادة تنظيم قواها العسكرية وتعزيزها، ورفع مستوى تدريب عناصرها (وهذا يتم في لبنان وإيران غالباً)، فضلاً عن جملة من الإجراءات الأخر. تعدّ هذه الخطوات علامات على ازدياد احترافية حماس وطموحاتها، كيف لا وهي لا تبدد الفرص التي تسنح لها لتعزيز قدراتها. وإذا كان الجيش الإسرائيلي يتهيّأ لجولة قتال أخرى أيضاً، وإذا كانت إسرائيل تطور تكنولوجيات جديدة مثل المنظومات المضادّة للصواريخ، فعلى الأرجح أن تكون المكاسب التي ستجنيها حماس من أي تهدئة أكبر نسبياً من مكاسب إسرائيل، لأنه حتى شحنات الأسلحة الصغيرة والتدريب سيكون بمثابة تطوير كبير لقدرات قواها المسلّحة الضعيفة.
وبالإضافة إلى ذلك، تخاطر إسرائيل بتفاوضها المباشر مع حماس بالاعتراف ضمناً بدولة إسلامية راديكالية في الشرق الأوسط. وقد استغلت حماس زمانها في السلطة في الترويج لبنود أجندة إسلامية في غزّة مثل فرض زيّ معيّن على النساء (إرغامهنّ على ذلك في أروقة المحاكم وفي البثّ التلفزيوني) والفصل بين الرجال والنساء في بعض الأماكن العامة، فضلاً عن جملة من الأمور الأخر. من نتائج ذلك أن مزيداً من الشباب أطلقوا لحاهم لاعتبارات دينية، وازداد ارتداء الحجاب شيوعاً، وشاعت مظاهر الالتزام الديني. وهذه التطورات لا تؤثر في غزّة والضفة الغربية وحسب، بل وتؤثر في الدول العربية الأخر أيضاً، وبخاصة مصر والأردن، لوجود أحزاب إسلامية كبيرة يمكنها الوقوف في وجه الحكومتين وربما يزيدها الاعتراف بدولة إسلامية في غزّة جرأة.
العيب الآخر في التفاوض مع حماس هو أنه سيرغم إسرائيل على التخلي عن بعض خياراتها في الضفة الغربية. ففي سبيل حمل حماس على القبول بوقف لإطلاق النار، سيتعين على إسرائيل خفض وتيرة اعتقالاتها لعناصر الحركة في الضفة الغربية، وسيُضطرّ الرئيس عبّاس إلى فعل الشيء نفسه. وبالتالي تتقلص الضغوط المفروضة على البنية التحتية لحماس هناك وتتشوّه صورة الرئيس عبّاس. وبما أن إسرائيل ستفتح المعابر الحدودية مع غزّة وأن الأوضاع الحياتية ستتحسن فيها، لن يعود هناك تباين صارخ بين الأوضاع المزرية في غزّة والأوضاع المريحة في الضفة الغربية.
لذلك، سيصعّب وقفُ إطلاق النار إنهاءَ الصراع الإسرائيلي الفلسطيني بناء على حلّ الدولتين. وستكتسي غزّة مزيداً من مظاهر الدولة، وتتمايز عن الضفة الغربية بهويتها وإيديولوجيتها الخاصة. وستزداد حركةُ فتح الضعيفة في غزّة ضعفاً، ولن يعود هناك حزب وحيد يمكن أن تتفاوض إسرائيل معه.
يُبرز وقفُ إطلاق النار مخاطرَ لإسرائيل، وكذلك لحماس على الصعيد السياسي لأنها ستُرغم على الدخول في مواجهة مع منافساتها، وسيُحدث انقسامات داخل الحركة نفسها، وهو الأمر الذي طالما سعت لتلافيه. كما أن وقف إطلاق النار سيُضعف صدقية حماس كحركة مقاوِمة ويقطع التمويل الإيراني عنها. وبالمثل، سيصعّب الضغطُ الذي تمارسه العناصرُ الجهادية التي تقتدي بتنظيم القاعدة، وحركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية، وجناحها العسكري، سيصعّب على قيادة الحركة السيطرةَ على أعمال العنف التي تستهدف إسرائيل ولو مؤقتاً. وما لم تلجأ حماس إلى إجراءات قمعية قاسية، ستحدث انشقاقات داخل جناحها العسكري، وتقوى شوكةُ العناصر الجهادية التي تحتذي بالقاعدة وحركةُ الجهاد الإسلامي الفلسطينية. وإذا مضت حماس مع ذلك في محاولة التوصل إلى اتفاق، ستتأذى صدقيتها كحركة مقاوِمة، ويتبيّن لنقّادها أنها تُؤْثر التوصل إلى اتفاق على الالتزام بمبادئها. كما أن هذا الاتفاق سيُبرز تحدياً لحماس على المستوى العام لأن السكان سيركزون أنظارهم عليها وعلى طريقتها في إدارة الحكم في غزّة عوضاً عن التركيز على إسرائيل، وهو أمر يمكنه إضعاف شعبية الحركة إذا بقيت الأوضاع الاقتصادية المزرية على حالها.
بالنظر إلى التحديات التي تواجه الطرفين، هل سيكون النجاح في التوصل إلى اتفاق لإطلاق النار من خلال المفاوضات أمراً ممكناً؟ إن التوقيت عامل حاسم في هذا الشأن. فإذا جرت المفاوضات فيما لا تزال العملية السلمية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية في حالة جمود، سيُنظر إلى المحادثات بين إسرائيل وحماس بأنها وسيلة بديلة لإحراز تقدم. وهذا لا يخلو من كلفة تتحملها إسرائيل والمجتمع الدولي، لأن الرئيس عبّاس سيكون في وضع بائس مما يقوّي العناصر المسلّحة في فتح وفي الضفة الغربية على العموم. وستستدلّ هذه الأطراف بالمفاوضات التي تُجرى مع حماس على فشل استراتيجية الرئيس عبّاس. ولا ريب أنه سيتولّد لديه دافع لعرقلة المفاوضات بين إسرائيل وحماس.
على أن التفاوض على اتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس سيكون أيسر من التفاوض على قضايا الصراع الأخرى من وجوه عديدة، لأن هذه المحادثات لا تعوّل على حل قضية القدس، ومشكلة اللاجئين والحدود، وغيرها من القضايا محلّ النزاع، كما أنها لن تراعي بالضرورة الأوضاعَ بالضفة الغربية.
في النهاية، ستؤول مفاوضات وقف إطلاق النار إلى قضية واحدة تبيّنت صعوبة حلها: هل إن حماس مهيأة لتحوّل استراتيجي في صراعها مع إسرائيل؟ قدّمت حماس في أزمنة مختلفة الدورَين الاجتماعي والسياسي على دورها العسكري، لكنّها قامت بالأدوار الثلاثة جنباً إلى جنب في معظم تاريخها. ولكي تتكلل المفاوضات بالنجاح، يتعين على حماس نبذ العنف الذي أوصلها إلى السلطة. كما أنها ستُضطرّ إلى إسكات عناصرها المسلّحة والجماعات المنافسة مثل حركة الجهاد الإسلامي والجهاديين السلفيين. وإذا كانت حماس تملك القدرات العسكرية والإدارية التي تخوّلها فعل ذلك، لا نعرف إن كانت تملك الإرادة السياسية اللازمة لذلك.
يُستبعَد في ظل الظروف الحالية أن تكون إسرائيل مستعدة للاعتراف بحماس عبر التفاوض معها على اتفاق لوقف إطلاق النار. لكن إذا كانت الولايات المتحدة مهتمة بتحقيق هذا السيناريو، يرجَّح أن تلقى مناشداتُها آذاناً صمّاء في القدس. وسيكون البديل، أعني إجراء الولايات المتحدة محادثات مباشرة مع حماس، صعباً على واشنطن. فبدون مساندة إسرائيلية ضمنية، ستُغضب هذه المحادثات أيَّ حكومة إسرائيلية وتُقنع الإسرائيليين بأن الولايات المتحدة ليست ملتزمة بضمان أمن بلدهم. وكما أن ذلك سيكون انقلاباً في نظر حماس، وسيمكّنها من المطالبة باعتراف دولي بها. على أن في استطاعة الولايات المتحدة توفير غطاء سياسي لحكومةٍ إسرائيليةٍ تقرر إجراء محادثات مع حماس، وهو غطاء لا غنى للحكومة الإسرائيلية عنه لكي تقوم بخطوة سياسية صعبة مثل هذه.
الخيار الثاني: إعادة احتلال غزّة
يوجد خيار سياسي بديل في نظر إسرائيل وهو إعادة احتلال قطاع غزّة كله أو بعضه. ومن أجل احتلال القطاع بالكامل، يتعين تنفيذ عملية عسكرية أضخم من عملية الرصاص المصبوب تُسفر عن سيطرة الجيش الإسرائيلي على غزّة وإزاحة حماس عن السلطة (وبالتالي إرغامها على التخفّي). ومن ناحية أخرى، سينطوي السيناريو المحدود على تنفيذ عملية لاحتلال أجزاء من غزّة فقط.
سينطوي هذا الخيار السياسي في نظر إسرائيل على عناصر مختلفة. فإذا كان احتلال قطاع غزّة مهمة سهلة نسبياً على الجيش الإسرائيلي، ستهبّ حماس للقتال، وستودي العملية الأولية بحياة عشرات الإسرائيليين وربما أكثر. ولمّا كانت حرب الشوارع اللازمة لاحتلال غزّة مدمّرة، يرجّح وقوع مآسٍ يُقتل من جرّائها مدنيون فلسطينيون. وسيواصل الجيشُ الإسرائيلي هذه العملية زمناً طويلاً بعد انتهاء المرحلة الأولى من القتال. ذلك أن تدمير البنية التحتية لحماس سيستغرق شهوراً وربما أكثر من ذلك، وربما تلجأ الحركة خلال هذه المدة إلى تنفيذ عمليات قنص، وتفجير عبوات ناسفة، وتنفيذ هجمات انتحارية، ونصب كمائن، وغيرها من الأساليب لإبقاء الجنود الإسرائيليين في حالة إرباك. كما ستأمر حماس عناصرها في الضفة الغربية بضرب إسرائيل، ومحاولة إضعاف موقف الرئيس عبّاس هناك إذا اعتُبر متورّطاً في العملية الإسرائيلية. وسيكون هدف حماس جعل ثمن الاحتلال على المدى الطويل أكبر مما يمكن لإسرائيل تحمّله دبلوماسياً وسياسياً وعسكرياً.
على الصعيد الدبلوماسي، ستتأذى علاقات إسرائيل بالولايات المتحدة، وبالمجتمع الدولي، وبالفلسطينيين بالضفة الغربية من إعادة احتلال قطاع غزّة. ومن نافلة القول أن عملية عسكرية تشنّها إسرائيل في غزّة ستسمّم أجواء أي مفاوضات سلمية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. وسيعارض القادة الفلسطينيون المعتدلون إعادة احتلال القطاع، حتى وإن كان هدفها النهائي إعادتهم إلى السلطة هناك، لأن اعتبارهم ضالعين في أي خطوة عسكرية إسرائيلية، لا سيما إذا أودت بحياة فلسطينيين وتضمنت مزيداً من تآكل السيادة الفلسطينية، سيقضي على حياتهم السياسية. لذلك، سيكون صعباً على الرئيس عبّاس في البداية التفاوض مع إسرائيل فيما هي منهمكة في عمليات عسكرية تستهدف إخوته الفلسطينيين (مع أن ذلك قد يتغير بمرور الوقت).
ربما يدفع الاحتلالُ، وإن يكن حكيماً من الناحية الأمنية، أبناءَ غزّة إلى التطرّف. ولن تبقى حماس متذبذبة بالطبع بين أدوارها المتنوعة وستركّز على دورها العسكري. كما أن مؤازرة الجماعات التي تتخذ من العنف سلاحاً ستشتدّ، وهذا يشمل مساندة الجهاديين السلفيين. لكنّ تركيز حماس على المقاومة العنيفة سيجرّد الجهاديين السلفيين من الذريعة التي ينتقدون بواسطتها عزوف حماس عن القتال، وسيوثّقون تعاونهم معها على الأرجح.
بالنظر إلى هذه العوامل، لن تحظى عمليةٌ عسكرية إسرائيلية كبيرة في غزّة بمؤازرة الولايات المتحدة، وستكون العملية محلّ انتقاد المجتمع الدولي على الخصوص. ذلك أن الولايات المتحدة تخشى أن تؤدي إعادة احتلال القطاع إلى نشر التطرّف في صفوف المسلمين في العالم قاطبة وإلى زعزعة استقرار النظم المتحالفة معها. في النهاية، ستُضطرّ واشنطن إلى معارضة إعادة الاحتلال وإلى توبيخ إسرائيل مستخدماً أقسى العبارات الممكنة، لأن العالم سيعتبرها ضالعة في العملية إن هي لم تفعل ذلك. ولمّا كانت القدس لا ترغب في اتخاذ موقف شديد التباين عن موقف واشنطن في هذه القضية، يرجَّح أن تمنع المعارضةُ الأميركية إسرائيلَ من تنفيذ هذه السياسة.
ومن ناحية أخرى، ربما تبدو إعادة احتلال أجزاء من القطاع قليلة المخاطر، لكنها قد تفشل لنطاقها المحدود. ولهذا الفشل جملة من الأسباب أولها أنها كلما طالت مدة بقاء الجيش الإسرائيلي في تلك الأجزاء، زادت صعوبة الاحتلال الجزئي لأن حماس توسّع ترساناتها ومدى صواريخها. والسبب الثاني هو أنه حتى وإن لم يبقَ الجيش الإسرائيلي في تلك الأجزاء مدة طويلة، ستكون حماس قادرة اعتماداً على حجم ترسانتها الحالي على شنّ هجمات صاروخية وكيل الضربات لإسرائيل أشهراً عديدة. أخيراً، سيكون التشبّث بالاحتلال الجزئي صعباً على إسرائيل لأن الرأي العام الإسرائيلي سيضغط على حكومته لكي تحتل قطاع غزّة بالكامل إذا تواصلت الهجمات على الإسرائيليين.
بيد أن هناك مكاسب ستجنيها إسرائيل من إعادة احتلال غزّة برغم المساوئ المتقدمة. إن احتلال قطاع غزّة بالكامل سيمكن الجيش الإسرائيلي من تحديد مواقع الصواريخ ومن تدميرها قبل أن يتسنّى إطلاقها. وسيستفيد جهاز الشين بيت من تحسّن المناخ الاستخباري، وهو ما سيمكّن إسرائيل من تدمير أغلب البنية التحتية العسكرية لحماس والبنيات التحتية للجماعات الأخرى. وإذا كانت حسنات إعادة الاحتلال جزئياً أقل، فهي ستمكن إسرائيل من تقليص عمليات التهريب بين غزّة ومصر، وخفض عدد الصواريخ التي في حوزة حماس (لا سيما عدد المنظومات الصاروخية بعيدة المدى)، ومنع أعضاء حماس من تلقّي التدريب في لبنان وإيران. كما ستتراجع قدرة إرهابيي حماس على التسلل إلى إسرائيل عبر مصر. لذلك، ستؤدي هذه السياسة إلى تدمير الدولة الإسلامية الراديكالية الوحيدة في المنطقة، وإلى عرقلة الجهود الرامية إلى زيادة أسلمة غزّة، وما إلى ذلك.
إذا كانت أعمال العنف التي تُنفَّذ انطلاقاً من غزّة شديدة الوطأة، وإذا شنّت حماس هجمات استفزازية مثل إمطار تل أبيب بالصواريخ، ربما تختار إسرائيل إعادة احتلال غزّة مع ما يكتنف ذلك من تكاليف ومخاطر عديدة. وستأمل إسرائيل في النهاية بتسليم الحكم لكيان فلسطيني معتدل أو لدولة مجاورة أو للمجتمع الدولي (راجع الخيار السادس).
الخيار الثالث:
 استخدام القوة بشكل محدود لكن منتظم
يتمثل الخيار العسكري الأضيق أفقاً في شنّ إسرائيل هجمات على ورش تصنيع الصواريخ لدى حماس، وعلى كوادرها المسلّحين، وعلى قادتها البارزين من الحين لآخر. والهدف هو الحدّ من قدرة حماس على إحراج إسرائيل بهجماتها الصاروخية وإفقاد قيادتها توازنها. ومن المحتمل أن تُسهم هذه الغارات في إقناع حماس في نهاية المطاف بأن اللجوء إلى شنّ هجمات على إسرائيل ليس في صالحها. تكمن مزيّة هذا الخيار في أن الغارات المحدودة ستقلل التكاليف على الأرجح على صعيد المخاطر التي سيواجهها الجنود الإسرائيليون، ولن توتّر علاقات إسرائيل بالولايات المتحدة، ولن تسممّ أجواء المفاوضات مع الرئيس عبّاس. ولا تزال هذه المقاربة تحظى بموافقة أميركية ضمنية إلى الآن بما أن إدارة أوباما لم تنتقد الغارات الإسرائيلية. لكنّ هذا الموقف قد يتغيّر إذا اعتُبرت الغارات سبباً يمنع من إحراز تقدم في المحادثات السلمية.
بيد أن الغارات ليست في حدّ ذاتها حلاً للمشكلات التي تواجهها إسرائيل في غزّة، لكنها تنسجم بشكل جيد مع الخيارات السياسية الأخرى إذا ما نُفّذت بالشكل المناسب. ففي الإمكان شنّ هذه الغارات بالتزامن مع سياسة فرض العزلة الاقتصادية وحتى بالتزامن مع مفاوضات سياسية (وإن لم يكن ذلك سهلاً).
لمّا كانت هذه الغارات تساعد على إدارة المشكلة وحسب، ستظل حماس قادرة على تطوير قواها من خلال التدريب خارج غزّة وعبر تهريب الأسلحة إلى القطاع. وبالإضافة إلى ذلك، ستتمكن حماس والجماعات الأخر من مواصلة شنّ هجمات صاروخية وإن يكن بوتيرة أقل. في الواقع، سيكون صعباً من الناحية السياسية على حماس السكوت على الهجمات الإسرائيلية وعدم الردّ عليها بإطلاق الصواريخ. أخيراً، ستُكون إسرائيل محلّ انتقاد لإيقاعها إصابات لا مفرّ منها في صفوف المدنيين (وإن كانت حدة الانتقاد ستعتمد على عدد الإصابات المدنية ونوعها).
الخيار الرابع: العزلة الاقتصادية والسياسية
تتحاشى إسرائيل وعامة المجتمع الدولي التعامل مع حماس حالياً، وتستخدم إسرائيل سيطرتها على الممرات البحرية والبرّية المؤدية إلى قطاع غزّة في فرض حصار محدود عليه. وهذه سياسة حظيت بمساندة صريحة من الولايات المتحدة التي تشدد على وجوب عزل حماس إلى أن تفي بالشروط التي وضعتها اللجنة الرباعية. وحتى بعد وقوع حادثة السفينة مافي مرمرة، ضغطت واشنطن لتخفيف الحصار الإسرائيلي لا لرفعه.
حصلت إسرائيل من مواصلة هذا الضغط على غزّة على مزايا عديدة. ففرض إجراءات رقابية صارمة على حركة البضائع المتوجهة إلى غزّة يمكّن إسرائيل من الحدّ من توريد مكونات ذات استخدام مزدوج تتطلّع حماس إلى حيازتها لتصنع الصواريخ وتعزز قدراتها العسكرية. والأهم من ذلك أن إسرائيل تعتقد أن الضغط الذي يلجم النمو الاقتصادي يجعل حكم حماس لغزّة أقل جاذبية في نظر الفلسطينيين بالنسبة إلى الضفة الغربية التي تحكمها السلطة الفلسطينية.
هناك طرق عديدة لزيادة الضغط على حماس، منها استبعاد إسرائيل لغزّة من نظام الجمارك الإسرائيلي. ويستطيع الرئيس عبّاس التوقف عن دفع رواتب المستخدمين الحكوميين الفلسطينيين في غزّة، وهو أمر سيضعف شعبيته، لكنّه سيزيد حدّة المشكلات المالية التي تواجهها حماس. وبترك غزّة تدبّر أمورها بمفردها بدون دعم مالي من جانب السلطة الفلسطينية، تعمّق السلطةُ الشرخ الحاصل بين غزّة والضفة الغربية. يمكن أن تساند واشنطن هذه السياسة بحثّ حلفائها والمنظمات الدولية على عدم التبرّع لحماس ولا لنشاطاتها في غزّة. وسيكون الضغط الأميركي على الدول الخليجية مهماً على الخصوص في زيادة الأعباء المالية على حماس.
لكنّ عزل غزّة ينطوي على مساوئ كما يتجلّى في التأثيرات السلبية للحصار الحالي. أدى الحصار إلى سحق طبقة التجار في غزّة وزاد السكانَ اعتماداً على حكومة حماس. وأدى ذلك إلى تعاظم قدرة حماس، لا سيما بالنسبة إلى قدرات الجماعات المنافسة التي لا تملك إمكانات اقتصادية مماثلة. وإذا كانت الحكومة الإسرائيلية تعتقد أن السكان سيضغطون على حماس بمرور الوقت، لا يزال أبناء غزّة يشعرون إلى الآن أن إسرائيل هي سبب مشكلاتهم الاقتصادية.
خدم الحصار أيضاً في توثيق عرى تحالف حماس مع إيران. فبما أن الحركة تفتقر إلى المال، وأن الهوة بين نفقات الحركة وإيراداتها في اتساع مستمرّ، أصبحت في حاجة ماسة إلى التمويل. وهذا أحد الأسباب المهمة التي حملت حماس على التوجه إلى إيران وإلى مصادر خارجية أخرى طلباً للمساعدة.
ربما كان الشك في النتائج التي ستتمخض عنها سياسة فرض العزلة على غزّة أهم مساوئها. فإذا كان رفع الحصار يتربع على قمة أولويات حماس، لم تتضح الطريقة التي ستسعى الحركة من خلالها لرفعه. ولن يزيد تحسّنُ الأوضاع الاقتصادية في الضفة الغربية هذه الرغبة إلاّ إلحاحاً، وسيزداد التباين بين حماس ومنافساتها في الضفة الغربية حدّة. يمكن أن يدفع ذلك الحركةَ إلى تصعيد هجماتها الصاروخية أو إلى الجلوس إلى مائدة المفاوضات، لكنّ الإبقاء على الوضع الراهن سيكون صعباً في الحالتين.
تضيف التغييرات التي تكتسح المنطقة، والنظام الجديد في مصر، عنصراً إضافياً إلى حالة عدم اليقين. يستلزم عزلُ غزّة اضطلاعَ النظام المصري بدور مهم في تقييد حركة البضائع المتوجهة إلى غزّة وتدمير شبكة الأنفاق التي أقامتها حماس. لكننا نرجح أن يكون النظامُ المصري القادم أياً كان أقل تعاوناً من مبارك كما اتضح من فتح الحدود بين غزّة ومصر جزئياً في أيار 2011، وعلى الأرجح أن تعمل مصرُ علانية بعد مبارك على رفع العزلة عن غزّة.
الخيـــارات غيـر المألوفـــة
الخيار الخامس: حل قائم على ثلاث دول
بما أن حماس قوية في غزّة وأن الرئيس عبّاس يعزز سلطته في الضفة الغربية، يمكن أن تتطلع إسرائيل إلى التفاوض على التوصل إلى اتفاق سلام مع كل من الكيانين بشكل منفصل، أي التوصل إلى حل الدول الثلاث. ونحن نجد في كوريا وألمانيا مثالين على دولتين قُسمتا واستقلتا دبلوماسياً في القرن العشرين. والتوصل إلى ترتيب مشابه في فلسطين سينطوي على وعد بأن يتحد الفلسطينيون في أجل لاحق غير محدد (لكنّه وعد شكلي فقط). وفي هذا الصدد، ربما يكون نموذج ألمانيا الغربية محبذاً، وفيه يُؤمَل بانهيار النظام السياسي لأحد الطرفين في نهاية المطاف (نعني نظام حماس)، وإعادة توحيد الكيانين عقب ذلك الانهيار.
لكي تطبَّق هذه السياسة، يتعين على الولايات المتحدة القبول بأن خيارها السياسي القديم، الذي مضى عليه نحو عقدين، والذي يقوم على حل الدولتين قد بطل. وعوضاً عن ذلك، ينبغي لواشنطن التعامل مع حكومة عبّاس في الضفة الغربية والمساعدة على احتواء نظام حماس (أو محاولة تليين مواقفه). وسيتعين على واشنطن العمل أيضاً على الفوز بتأييد القادة الفلسطينيين لهذه السياسة. لكنّ هؤلاء القادة لن يؤيدوا هذا الحل علناً أياً تكن الحوافر التي تُعرض عليهم لأنهم يقرّون بأن كافة الفلسطينيين يعتبرون أنفسهم شعباً واحداً (مع أنه ربما يمضي هؤلاء القادة في هذا الخيار إذا ادعوا أن توحيد مكونات الشعب هدفهم النهائي). وعلى الأرجح أن يعارض قادةُ حماس المقيمون بالخارج حل الدول الثلاث أيضاً لأنهم أكثر اهتماماً بوضع حماس في الضفة الغربية وفي أوساط اللاجئين، ولأنهم أكثر استعداداً لتحميل سكان غزّة أشكال المعاناة من قادة حماس في غزّة سعياً للوحدة.
ينطوي الخيار الأول، أي التفاوض مع حماس على وقف لإطلاق النار، على العديد من المزايا والعيوب من المنظور الإسرائيلي. تأمل إسرائيل من التفاوض على حل الدول الثلاث بأن تشكل السيطرةُ على دولة معترَف بها، عوضاً عن مجرّد التوصل إلى وقف لإطلاق النار، إغراءً لا يمكن لحماس مقاومته، وسيحملها على تقديم ممارسة الحكم والتنمية الاقتصادية على العمل العسكري. لكن يعيب هذا الخيار أن قدرة حماس على بناء قواها التقليدية ستتعاظم لأنها ستسيطر عندئذٍ على دولة، ومن المفترض أن تقلّ القيودُ المفروضة على حركة البضائع والأشخاص المتجهين إلى قطاع غزّة أو الذين يغادرونه.
في النهاية، سيكون مجرد الشروع في هذه المفاوضات عسيراً لأن كلاً من حماس والرئيس عبّاس يخشى الملامة لتخلّيه عن قضية فلسطين الموحدة، علماً بأن الطرفين عملا مؤخراً (وإن بصعوبة) على تشكل حكومة وحدة وطنية. وستجد حماس على الخصوص صعوبة في التفاوض مع إسرائيل على وقف الأعمال العدائية لأنها لم تقبل علناً بمبدأ حق إسرائيل في الوجود داخل حدود ما قبل العام 1967. وعلى العموم، سيعارض الشعب الفلسطيني هذا السيناريو لأن الفلسطينيين بعامة يتملكهم إحساس قوي بأنهم يشكلون شعباً واحداً وأنه ينبغي أن تحكمهم حكومة واحدة تمثلهم. لذلك، سيتعين على واشنطن الحرص على الإشارة في أي اتفاق يقوم على حل الدول الثلاث إلى وعود بالوحدة في نهاية المطاف حتى وإن كان الواقع يشير على نحو متزايد إلى خلاف ذلك.

سيعارض الأردن، وهو لاعب أساسي، حل الدول الثلاث أيضاً. سيساور عمّان القلق من أن اعتماد الضفة الغربية عليه سيزداد، وأن تركيز أنظار الفلسطينيين شرقاً سيزعزع استقرار النظام. كما كانت مصر في ظل مبارك ستعارض هذا الخيار أيضاً لأنها تخشى أن تتطلّع غزّة بشعبها المحروم وحكومتها الراديكالية إلى الانضمام إلى مصر. وبعد أن بات أغلب تركيز مصر منصباً الآن على قضاياها الداخلية، لا يُعرف بحال كيف ستتعامل مع حل الدول الثلاث. لكن يمكن القول بأن العديد من الأحزاب العلمانية التي تتنافس على السلطة في مصر ستعارض على الأرجح سياسة تؤيد من الناحية الفعلية إقامة دولة إسلامية بجوارهم لديها روابط وثيقة بالإخوان المسلمين. وستكون الولايات المتحدة في حاجة إلى زيادة مساعداتها الاقتصادية لكلتا الحكومتين لتهدئة مخاوف المسؤولين فيهما ومساعدتهما على استمالة الرأي العام إليهما.
الخيار السادس: قيادة بديلة في غزّة
الخيار الآخر غير المألوف هو إحداث تغيير قيادي. بناء على ذلك، تحاول إسرائيل بمساعدة أميركية استبدال حكومة حماس في غزّة. وكجزء من حملة عسكرية أو عزلة اقتصادية، يمكن لإسرائيل إزاحة حماس والسماح لمنافساتها بتولّي السلطة أو إسنادها إليهم مباشرة. والواضح أن هذا الخيار مليء بالتحديات.
إذا وصلت قيادةٌ جديدة إلى السلطة على ظهر الدبابات الإسرائيلية، ستفتقر إلى الشرعية بلا شك. ولا يغيب عن بالنا أن حماس وصلت إلى السلطة عن طريق صناديق الاقتراع، وهي تحظى بمساندة عدد كبير من الفلسطينيين. وحتى لو تقرر إجراء انتخابات ديمقراطية في غزّة بعد الحملة العسكرية الإسرائيلية، يرجّح أن يعيد الاقتراعُ الحرُّ حركةَ حماس إلى السلطة (لا ريب أن هذا أحد المخاطر التي تكتنف ترويج الولايات المتحدة للديمقراطية في دول ليس فيها حزب قوي موالٍ للغرب). لذلك، ستستلزم إزاحةُ حماس عن السلطة تغييراً اجتماعياً وسياسياً واسعاً وليس مجرد استئصال حفنة من القادة.
وحتى إذا تشكلت حكومة جديدة واستطاعت تحقيق نمو اقتصادي وتحسين الأوضاع في غزّة، يُستبعد أن يقبل الشعب الفلسطيني بشرعية تلك الحكومة، لأن الفلسطينيين تغمرهم مشاعر وطنية متأججة، وفرض حكومة عليهم سيزيد تلك المشاعر تأججاً. وبالنظر إلى افتقار هذه الحكومة للشرعية، سيتعين فرض احتلال عسكري إسرائيلي لإبقائها في السلطة. وبمرور الوقت، يمكن أن تبني الحكومةُ الجديدة قواها الأمنية الخاصة، لكنها ستمارس بالبداهة حكماً دكتاتورياً يعتمد على الترويع والاحتلال الإسرائيلي المحدود لا على الشرعية الشعبية في بقائها في السلطة.
هناك مشكلة حساسة في انتهاج هذه المقاربة وهي غياب أي قيادة بديلة يمكنها انتزاع السلطة من حماس. ذلك أن تأثير الأصوات الوطنية المعتدلة مثل الرئيس عبّاس ورئيس الوزراء فياض يتضاءل، لأن اعتبار الرئيس عبّاس متعاوناً مع إسرائيل أدى إلى تهميشه (مع أنه إذا أدار الحكم في الضفة الغربية بنجاح، يمكن أن ترتفع حظوظه في غزّة). وبما أنه لا يبدو في الأفق أي قيادة بديلة حقيقية، يمكن أن تتنافس جماعات متعددة على السلطة من غير أن تملك أي منها القوة الكافية لفرض إرادتها. لذلك، تصبح العودة إلى حالة الفوضى في غزّة على نحو مشابه للفوضى التي عمّت القطاع في سنة 2005 و2006 عقب الانسحاب الإسرائيلي منه قبل أن تُحكم حماس قبضتها على السلطة، أمراً محتملاً. وستتواصل الهجمات على إسرائيل لأن هذه الجماعات ستتنافس على إظهار وطنيتها وصدقيتها العسكرية، وسيكون ردعها صعباً على إسرائيل.
سيكون النموذج المغاير الأجدى لهذا الخيار السياسي تسليم إسرائيل السلطة رسمياً للسلطة الفلسطينية، مع اعتراف ضمني بأن السلطة الفلسطينية لن تتدخل في صلاحية حماس بالحكم بموجب الأمر الواقع. يتميّز هذا النموذج بمزايا عديدة: ستكون حماس طليقة في إثبات جدارتها، وستتمتع السلطة الفلسطينية بوضعية أرقى، وسيُثبت الطرفان التزامهما بالوحدة الفلسطينية. وبالمقابل، سيكون لإسرائيل شريك مفاوض واحد، مما يسهل أي محاولات للتوصل إلى اتفاقية سلام. وسيُكتب لمقاربة استخدام الطرق التي تتدرج من أسفل إلى أعلى التي يتّبعها فياض حالياً لزيادة القدرة المؤسساتية للسلطة الفلسطينية، النجاح في هذا النموذج، وسيمنح السلطة الفلسطينية تأثيراً أعظم في ممارسة الحكم بمرور الوقت.
على أن هذا الترتيب سيستلزم تحقيق جملة من الشروط. ستكون إسرائيل في حاجة إلى التوصل إلى هدنة دائمة مع حماس في غزّة (الخيار الأول المتقدم)، والقبول بالمخاطر التي تنطوي عليها؛ وسيتعيّن أن تتصالح حماس والسلطة الفلسطينية؛ وستكون إسرائيل في حاجة إلى ضمان بقاء السلطة الفلسطينية أقوى من حماس في الضفة الغربية. على أنه حتى لو تم تحقيق ذلك على المدى القصير، ستكون المحافظة على قيادة موحدة أمراً صعباً. يمكن تفهّم رغبة حماس في أن يكون أعضاؤها جزءاً من القوى الأمنية في الضفة الغربية، لكن يُستبعد أن يوافق الرئيس عبّاس على منح حماس أي سلطة حقيقية هناك. وستجد الولايات المتحدة صعوبة في تقديم الدعم المالي للسلطة الفلسطينية إذا حصلت حماس على جزء من تلك الأموال بطريقة غير مباشرة. والأهم من ذلك أنه إذا تولّى الرئيس عبّاس الحكم في غزّة، سيتعيّن عليه الوفاء بمتطلبات الجبهة الأمنية ويُوقف الهجمات التي تشنّها حماس وحركة الجهاد الإسلامي والجماعات الأخرى في غزّة على إسرائيل، وهي جماعات تعاظمت قواها العسكرية بشكل كبير. وبما أنه يُستبعد أن يكون الرئيس عبّاس قادراً على فعل ذلك، يرجَّح أن تشنّ إسرائيل عمليات رداً على أي هجمات تستهدفها. وستؤدي الهجمات الإسرائيلية على مناطق خاضعة لسيطرة الرئيس عبّاس إلى إضعافه سياسياً.

أضف إلى ما تقدم أنه لكي يكون هذا الخيار السياسي ناجحاً، يتعين على الولايات المتحدة الاعتراف بحكومة جديدة وتشجيع الدول الحليفة على فعل الشيء نفسه. ومن الأهمية بمكان توافر الدعم العربي لمنح النظام الجديد مزيداً من الشرعية. كما سيتعين على الولايات المتحدة أيضاً زيادة برامجها الرامية إلى تدريب القوى الأمنية الفلسطينية وتقديم مزيد من المساعدات لمساعدة أي نظام جديد في غزّة على اكتساب الشعبية. لكنّ الدعم الأميركي المكشوف لن يحظى بموافقة واسعة في أوساط أبناء غزّة الذين سيعارض العديد منهم الحكومةَ الجديدة. لذلك، سيُغضب الاعترافُ الأميركي، وإن يكن ضرورياً، العديدَ من الفلسطينيين.
الخيار السابع: تحمل المجتمع الدولي المسؤولية في غزّة
عارضت إسرائيل وأغلب المجتمع الدولي سيطرة حماس على قطاع غزّة. لذلك، فإن أحد الخيارات السياسية يقوم على تولّي المجتمع الدولي، من خلال الأمم المتحدة أو الناتو، السيطرة على غزّة. يمكن أن يحصل ذلك عقب غزو إسرائيلي أو انهيار حكومة حماس وإن كان ذلك أمراً مستبعداً.
يرجَّح أن تقاوم حماسُ وحركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية والجماعات الجهادية السلفية أي قوة أجنبية، مستخدمة التقنيات ذاتها التي ستستخدمها في مواجهة المحتلّين الإسرائيليين. وعلى الأرجح أن تسعى أيضاً لاستئناف هجماتها على إسرائيل، وربما تحرز قدراً من النجاح، إظهاراً لمؤهلاتها في مجال المقاومة، ورجاء إقحام الجيش الإسرائيلي في الصراع.

في الحقيقة، سيكون حشد أي قوة دولية للسيطرة على غزّة عملاً صعباً. وفي هذا الصدد، ستكون قوات تابعة للأمم المتحدة الأكثر قبولاً في الظاهر (وإن كان تشكيلها يظل مستبعداً)، لكنها ستكون عديمة الفاعلية إلى حدّ بعيد من الناحية العسكرية. والسبب هو أن القوات التابعة للأمم المتحدة ستتردد في جمع الاستخبارات أو السعي لتدمير البنية التحتية العسكرية التي تملكها حماس أو البنيات التحتية التي تملكها الجماعات الأخرى. ويرجَّح إلى حد بعيد أن تقف موقف المتفرّج فيما يتواصل العنف في غزّة والهجمات على إسرائيل (سيُحدث تواجد قوات الأمم المتحدة على الأرض إرباكاً لإسرائيل في ردها على تلك الهجمات). وبالمثل، ستعاني قوات تابعة للناتو من نقاط ضعف مشابهة: فالدول الغربية تحاول أصلاً خفض قواها في العراق وأفغانستان، وهي ليست متلهفة لأي التزام عسكري آخر. وبالإضافة إلى ذلك، سيكون مستحيلاً تقريباً إقناع الدول الأعضاء في الناتو بالموافقة على قواعد الاشتباك الهجومية اللازمة لبعثة فرض الأمن. أخيراً، ما لم يكن يوجد مكوّن أميركي كبير في القوة، يرجَّح أن يعارض الإسرائيليون تدخل قوة تابعة للناتو أو للأمم المتحدة، ظناً منهم أن بعض الدول الأعضاء على الأقل منحازة ضدّ إسرائيل.
إذا كانت القوات الأميركية الأدعى قبولاً لدى إسرائيل، سيكون التزام الولايات المتحدة بالمساهمة في تلك القوة أمراً مستبعداً. فالجيش الأميركي يلقي بكل ثقله في أفغانستان والعراق، وأي انتشار إضافي مهما كان محدوداً سيشكل عبئاً كبيراً. لكنّ ذلك ليس السبب الوحيد لتردد الإدارة الأميركية حتى وإن كان جنودها متوافرون. وليس صعباً تخيّل وضع تكون فيه القوات الأميركية هدفاً لهجمات حماس، لا سيما إذا رأت الحركةُ أن واشنطن تفرض إرادة إسرائيل عوضاً عن التزام الحياد. وبالإضافة إلى ذلك، لو نظرنا إلى المسألة من منظور العلاقات العامة، يخشى المسؤولون الأميركيون صور الجنود الأميركيين المدججين بالسلاح وهم يفرضون النظام في الأراضي الفلسطينية بما أن القضية الفلسطينية مشحونة بالعواطف في نظر الكثير من العرب والمسلمين. وعلى ضوء الاضطرابات الأخيرة في العالم العربي والجدل الدائر بشأن القيام بعمل عسكري يستهدف معمر القذافي، ستتردد الولايات المتحدة في إرسال قواتها إلى قطاع غزّة. لكنّ أكبر تحدّ يحول دون تبنّي هذه السياسة هو المشهد الجديد في المنطقة. وقد عانت الولايات المتحدة وأوروبا الكثير لتوضيح أنهما لن يتدخلا في شؤون الحركات المحلية التي تكتسح الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ما لم تكن هناك ظروف قاهرة كما هي الحال في ليبيا. وسيكون إرسال جنود إلى قطاع غزّة تناقضاً واضحاً مع هذا الزعم. أخيراً، يرجّح أن يكون وجود القوات الأميركية في غزّة تحدياً للعلاقات الأميركية الإسرائيلية. فقد تختلف واشنطن والقدس على تفاصيل العملية أو على الاستراتيجية العريضة في غزّة. وربما تخشى الولايات المتحدة أيضاً تعرّض الجنود الأميركيين المنتشرين في غزّة للخطر بسبب السياسات الإسرائيلية.
الخيار الثامن: تقديم رزمة اقتصادية
الخيار السياسي الأخير لمعالجة الوضع في غزّة هو السعي لرفع مستوى المعيشة هناك. وتحقيق هذا الهدف يعني اتخاذ سلسلة من الخطوات التي تتضمن حشد دعم مالي كبير من دول الخليج العربي أو من دول أخرى، وإنهاء إسرائيل العزلة التي فرضتها على غزّة وامتناعها من القيام بأي عمليات عسكرية هناك. وبموجب هذه السياسة، تجيز إسرائيل لعدد أكبر من أبناء غزّة العمل على أراضيها وتشجع على التبادل التجاري مع غزّة من خلال شراكة مع مصر ترمي إلى إعداد مناطق تجارة حرّة في سيناء وفي النقب، وهما منطقتان تسعى الحكومتان المصرية والإسرائيلية لتطويرهما. لكنّ هذا الخيار السياسي لا يتضمن تعديلاً في السيادة ولا في الوضع السياسي لقطاع غزّة، وينبغي لعدد كبير من الدول في المنطقة تطبيقه ليُحدث أثراً سياسياً ملموساً.

الأمل في هذه السياسة معقود على أن المكاسب الاقتصادية ستنفّس الغضب الفلسطيني على إسرائيل وتُبرِز قوى سياسية منافسة لحماس. وبالإضافة إلى ذلك، ستمنح الحركةَ شيئاً تخشى ضياعه وهو أنه إذا تواصلت الهجمات على إسرائيل، فسوف تتبدد المعجزة الاقتصادية. كما يمكن ربط هذا الخيار بحوافز وزواجر لحمل حماس على التصرف بشكل لائق.
لكن حشد الدعم الاقتصادي لغزّة سيكون صعباً، لأن الدول الصناعية الثرية ليست متحمسة لتقديم مساعدات لغزّة التي تحكمها حماس عدا المساعدات الإنسانية الأساسية. وبالمثل، تميل الدول العربية إلى تقديم الوعود لكنها تحجم عن المساعدة فعلياً عندما يتعلق الأمر بغزّة. والقطاع الخاص يحجم عن الاستثمار في المنطقة لأسباب بديهية مثل الشك في استقرار الوضع السياسي وخطر اندلاع أعمال عنف هناك. زد على ذلك أن المساعدات الاقتصادية على العموم تفشل ما لم تتلازم مع نشاط اقتصادي محلي، لأن المولّد الحقيقي للثروة على المدى الطويل هو تطوير صناعات وخدمات محلية وليس المساعدات. ومن دواعي السخرية أن المساعدات يمكن أن تُعيق هذه العملية بإضعافها حوافز السوق. كما أن المساعدات تعني إمكانية تعاظم سلطة حماس إذا مُنحت للحكومة مباشرة. وحتى إذا مُنحت بطريقة غير مباشرة، ستبقى حماس قادرة على بذل ضغوط شديدة لمجرّد سيطرتها على القطاع: يمكنها اعتقال متلقّي المساعدات الذين لا يلتزمون بأهدافها أو التضييق عليهم أو ترويعهم.
وبما أن هذا الخيار السياسي يعزز سلطة حماس، يرجّح أن تعارضه السلطةُ الفلسطينية. وسيشكك الإسرائيليون أيضاً بمنطقه ويجادلون بأن هذا المال سيضيع هباءً. وفي الوقت عينه، سيتعين على الولايات المتحدة وحلفائها تقديم أغلب هذه الأموال اللازمة لهذا المشروع، وستبلغ كلفته مليارات الدولارات كل عام بدون توافر ما يضمن نجاحه.
3- الخلاصـــــة
لا يبدو أي من الخيارات السياسية المذكورة جذّاباً. وحتى مع افتراض سيناريوهات متفائلة، يسهل رؤية كيف أن العديد منها سيقوّي حماس، مما سيؤدي إلى تجدد القتال أو إلى الفشل ببساطة ولو توافرت أصدق النوايا ومقادير ضخمة من المال ومن الموارد. ولدى دراسة الخيار الأنسب، ستبرز أمام صنّاع السياسة الأميركيين جملة من الأسئلة والنقاط الأساسية التالية:
• الكلفة والوقت. ما هو مقدار الجهد الذي يمكن للولايات المتحدة تكريسه لغزّة بالنظر إلى الاهتمامات الأميركية الأخرى؟
• ترتيب الأولويات. لئن كان التعامل مع قضية غزّة مسألة مهمة في نظر صنّاع السياسة، يتعيّن تقييمها بالنسبة إلى المصالح الأميركية في مناطق أخرى في الشرق الأوسط وفي العالم ككل. وسيتمخض عن هذا التقييم تحديد الموارد التي يمكن أن ترصدها الولايات المتحدة لغزّة.
• الامتدادات. يدور جدال محموم لم يصل إلى حل بشأن ما إذا كانت الأحداث الجارية في غزّة، والعلاقات الإسرائيلية الفلسطينية بعامة، تصوغ تصورات الولايات المتحدة، وتملي تحركات الجماعات والدول الإرهابية في المنطقة وهذا هو الأهم. فإذا كانت إدارة أوباما والإدارات التي ستخلّفها ترى أن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني وغزّة عاملان يؤثران بشكل حاسم في المصالح الأميركية الأخرى، سيتربع حلّ هذا الصراع على قمة أولوياتها.

• مآل السياسة الفلسطينية. تهيمن المنافسة بين حماس وفتح على السياسات الفلسطينية منذ عقدين ونيّف، وحماس تحقق فيها مكاسب مطردة. لذلك، يتعين على الولايات المتحدة تحديد إن كانت تعتقد أن حركة فتح أو أي حزب سياسي معتدل آخر سيخرج من المنافسة منتصراً في نهاية المطاف، أو ما إذا كان ينبغي التعامل مع نتيجة محتومة تعني سيطرة حماس على الساحة السياسية.
• آفاق السلام. يتوقف نجاح العملية السلمية أو فشلها على عدة عوامل، بعضها خارج عن سيطرة صنّاع السياسة الأميركيين. مثال ذلك، الولايات المتحدة لا تسيطر على قيادة السلطة الفلسطينية ولا على إسرائيل، ناهيك عن حماس. وليس في استطاعة واشنطن التقريب بين وجهات النظر وإن كانت تستطيع دفع الأطراف في الاتجاه الصحيح. على أنه حتى إن كان القادة المعتدلون مستعدين للسير قدماً، تشكل قدرةُ حماس على لعب دور المفسد والعمليةُ السلمية المليئة بالمطبات مصدرَ قلق دائم. لكن إذا تبين أن التوصل إلى السلام ممكن، ينبغي عدم تبنّي العديد من الخيارات السياسية التي تقدمت مناقشتها.
ينبع الكثير من المشكلات المصاحبة لكل خيار سياسي تقدم الحديث عنه من ضعف الفلسطينيين المعتدلين. وكما تبيّن للولايات المتحدة في مناطق أخرى في العالم، يشكل الحلفاءُ الضعاف مشكلاتٍ عدة، منها أنهم لا يستطيعون إسكات الراديكاليين بفاعلية، وأنهم عاجزون غالباً عن اتخاذ مواقف سياسية صعبة. لكن يظل تبنّي الولايات المتحدة سياسة أكثر اتساقاً حيال غزّة، على كِبر التحديات، ركيزة محورية للمصالح الأميركية في المنطقة، علماً بأن كلاً من العملية السلمية، وأمن إسرائيل، والاستقرار الإقليمي بالطبع يتعلق جزئياً بالإدارة الناجحة للتهديد الذي يمثله نظام حماس في غزّة. والتغاضي عن المخاطر التي تكتنف غزّة يهدد تلك المصالح الآن وفي السنين القادمة.
بطـاقـة التـعـريـف بالـتـرجـمـة:
العنوان: تحدّي غزة: الخيارات السياسية والمضامين الأوضح.
المؤلفون: دانييل بايمان و جاد غولدشتاين.
جهة الإصدار: مركز سابان لدراسات الشرق الأوسط التابع لمعهد بروكينغز.
تاريخ الإصدار: 23 تموز 2011.
عدد الصفحات:  16 صفحة.
جهة إصدار الترجمة:  مركز دراسات وتحليل المعلومات الصحفية.
تاريخ إصدار الترجمة: 04 آب 2011.
المصدر: مركز دراسات وتحليل المعلومات الصحفية، سلسلة ترجمات (201)، 4/8/2011
  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق